القاضي عبد الجبار الهمذاني
453
متشابه القرآن
ولا يحتاج إلى الوسواس في أفعله فهو - إذن - عبث ! فإذا كان عبثا فليس للشيطان فيما يلحق العبد مدخل البتة ، فكيف تجب الاستعاذة باللّه منه ؟ ! ومن وجه آخر : وهو أن الشيطان إذا وسوس ، فالوسوسة فيه واجبة لأمر لا يتعلق بنا ، وإذا أخطأنا فذلك واجب فينا ، لأمر « 1 » لا يتعلق بالشيطان ، فلم صرنا بأن نستعيذ من الشيطان بأولى من أن يستعيذ الشيطان منا في هذا الفعل خاصة ؟ ومن وجه آخر : وهو أنه تعالى بين أنه لا سلطان له على الذين آمنوا ، وأن سلطانه على الذين يتولونه ، ولو كان ما يحدث في المؤمن وفيمن يتولاه ، من قبله تعالى ، لكان حاله فيهما سواء ، في أنه لا سلطان له عليهما . فإن قال : فهذا يلزمكم إذا قلتم إن المؤمن ومن يتولاه يتساويان ، في أن ما فعلاه من قبلهما ! . قيل له : لا يجب ذلك ؛ لأن من يتولاه صار الوسواس الواقع من الشيطان داعية له إلى الفعل ، فأقدم عليه لأجله ، وعلى جهة القبول منه ، وليس كذلك المؤمن ؛ لأنه أبى أن يقبل منه ، ولم يؤثر وسواسه فيه ، فلذلك افترقا - ولو كان تعالى هو الخالق لفعلهما - ولا يجوز أن يقال في وسوسته إنه يدعو « 2 » القديم إلى الفعل أو يفعله لأجل قبوله منه ، فوجب ما ذكرناه على المخالف . فإن قيل : إذا كان يدعو من يتولاه على الحد الذي يدعو المؤمن ، فكيف يجوز أن يقول تعالى : ليس له سلطان على الذين آمنوا ، وإنما سلطانه
--> ( 1 ) في د . لأنه . ( 2 ) في ف : يدعوهم .